محمد بن جرير الطبري
83
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
حدثنا أسباط ، عن السدي : ( فأخذتكم الصاعقة ) ، والصاعقة : نار . * * * وقال آخرون بما : - 954 - حدثنا به ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال : أخذتهم الرجفة ، وهي الصاعقة ، فماتوا جميعا . * * * وأصل " الصاعقة " كل أمر هائل رآه [ المرء ] أو عاينه أو أصابه - ( 1 ) حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب ، وإلى ذهاب عقل وغمور فهم ، ( 2 ) أو فقد بعض آلات الجسم - صوتا كان ذلك أو نارا ، أو زلزلة ، أو رجفا . ومما يدل على أنه قد يكون مصعوقا وهو حي غير ميت ، قول الله عز وجل : ( وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا ) [ الأعراف : 143 ] ، يعني مغشيا عليه ، ومنه قول جرير بن عطية : وهل كان الفرزدق غير قرد . . . أصابته الصواعق فاستدارا ( 3 ) فقد علم أن موسى لم يكن - حين غشي عليه وصعق ميتا ، لأن الله
--> ( 1 ) الزيادة بين القوسين من عندي . ليستقيم بها الكلام . ( 2 ) قوله " غمور فهم " لم أجد هذا المصدر في كتب اللغة . وكأنه مصدر غمر عليه ( بالبناء للمجهول ) : أغمي عليه . وفي الحديث أنه أول ما اشتكي بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم - في بيت ميمونة ، اشتد مرضه حتى غمر عليه - أي : أغمي عليه ، حتى كأنه غطى على عقله وستر ، من قولهم : غمرت الشيء : إذا سترته ، وغشي عليه وأغمي عليه من معنى الستر أيضًا ( اللسان ، الفائق ) . ( 3 ) ديوانه : 281 ، والنقائض : 251 وبعده في هجاء الفرزدق ، وهو من أشده : وكنت إذا حللت بدار قوم . . . رحلت بِخَزْيَةٍ وتركت عارا وما أشد ما قال ! وقال في النقائض في شرح البيت : " ولغته - يعني جريرا - الصواقع . فاستدار : أي استدار إنسانا بعد أن كان قردا " . وكأنه أخطأ المعنى ، فإنه أراد أنه مسخ قردا على هيئته التي كان عليها قبل أن يكون إنسانا . فقوله : " استدار " : عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه ، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض " أي عاد كما بدأ . فهو يقول : كان الفرزدق في أصل نشأته قردا ، ثم تحول إنسانا ، فلما أصابته صواعق شعري عاد كما كان في أصل نشأته قردا صريحا .